السيد نعمة الله الجزائري
104
عقود المرجان في تفسير القرآن
« ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ » يمهلكم على التكذيب ، فلا تغترّوا بإمهاله ؛ فإنّه لا يهمل . « وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ » حين ينزل . أو : ذو رحمة واسعة للمطيعين وذو بأس للمجرمين . فأقام مقامه « وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ » لتضمّنه التنبيه على إنزال البأس عليهم مع الدلالة على أنّه لازب بهم لا يمكن ردّه عنهم . « 1 » [ 148 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 148 ] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ( 148 ) « سَيَقُولُ » . إخبار بما سوف يقولونه وبما قالوه . قال : « وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ » . « 2 » يعنون بكفرهم وتمرّدهم أنّ شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحلّ اللّه ، بمشيّة اللّه وإرادته ، ولولا مشيّته ، لم يكن شيء من ذلك ؛ كمذهب المجبّرة بعينه . « كَذلِكَ كَذَّبَ » ؛ أي : جاؤوا بالتكذيب المطلق . لأنّ اللّه ركّب في العقول وأنزل في الكتب ما دلّ على غناه وبراءته من مشيّة القبائح وإرادتها والرسل أخبروا بذلك ، فمن علّق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيّة اللّه وإرادته ، فقد كذّب التكذيب كلّه ؛ وهو تكذيب العقل والسمع . « ذاقُوا بَأْسَنا » : أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم . « فَتُخْرِجُوهُ » . هذا من التهكّم والشهادة بأنّ مثل قولهم محال أن تكون به حجّة . « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ » في قولكم هذا . « إِلَّا تَخْرُصُونَ » : تقدّرون أنّ الأمر كما تزعمون ، أو تكذبون . « 3 » « كَذلِكَ كَذَّبَ » ؛ أي : مثل هذا التكذيب الذي كان من هؤلاء في أنّه منكر « كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » أنبياءهم فيما أتوا به من قبل اللّه . « حَتَّى ذاقُوا » العذاب المعجّل . ودلّ على أنّ لهم عذابا مدّخرا عند اللّه . لأنّ الذوق أوّل إدراك الشيء . « قُلْ » يا محمّد لهم جواب ما قالوه من أنّ الشرك بمشيّة اللّه . « هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ » ؛ أي : حجّة تؤدّي إلى علم . « 4 »
--> ( 1 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 325 . ( 2 ) - النحل ( 16 ) / 35 . ( 3 ) - الكشّاف 2 / 76 - 77 . ( 4 ) - مجمع البيان 4 / 587 .